الغزالي

65

إحياء علوم الدين

وربّما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى وكان يقول [ 1 ] لا آكل متّكئا [ 2 ] إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد واجلس كما يجلس العبد ) والشرب متكئا مكروه للمعدة أيضا ويكره الأكل نائما ومتكئا ، الا ما ينتقل به من الحبوب . وروى عن علي كرم الله وجهه أنه أكل كعكا على ترس وهو مضطجع ، ويقال منبطح على بطنه ، والعرب قد تفعله الخامس : أن ينوي بأكله أن يتقوى به على طاعة الله تعالى ، ليكون مطيعا بالأكل . ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل . قال إبراهيم بن شيبان : منذ ثمانين سنة ما أكلت شيئا لشهوتي . ويعزم مع ذلك على تقليل الأكل ، فإنه إذا أكل لأجل قوّة العبادة ، لم تصدق نيته إلا بأكل ما دون الشبع ، فان الشبع يمنع من العبادة ولا يقوى عليها . فمن ضرورة هذه النية كسر الشهوة ، وايثار القناعة على الاتساع . قال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « ما ملأ آدمىّ وعاء شرّا من بطنه . حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن لم يفعل فثلث طعام وثلث شراب وثلث للنّفس » ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد اليد إلى الطعام إلا وهو جائع ، فيكون الجوع أحد ما لا بد من تقديمه على الأكل . ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشبع ، ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب . وسيأتي فائدة قلة الأكل . وكيفية التدريج في التقليل منه ، في كتاب كسر شهوة الطعام من ربع المهلكات السادس : أن يرضى بالموجود من الرزق ، والحاضر من الطعام ، ولا يجتهد في التنعم وطلب الزيادة وانتظار الادم . بل من كرامة الخبز أن لا ينتظر به الادم . « وقد ورد الأمر بإكرام الخبز » [ 4 ] فكل ما يديم الرمق ، ويقوى على العبادة ، فهو خير كثير لا ينبغي أن يستحقر . بل لا ينتظر بالخبز الصلاة أن حضر وقتها ، إذا كان في الوقت متسع قال صلى الله عليه وسلم [ 5 ] « إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤا بالعشاء » وكان ابن عمر رضي الله عنهما ربما سمع قراءة الإمام